اكرم عبد خليفة الدليمي
29
جمع القرآن
فإن الذين حفظوا القرآن من الصحابة كانوا كثيرين حتى بلغ عدد القتلى منهم في بئر معونة ويوم اليمامة مائة وأربعين « 1 » على أرجح الروايات ، وسيأتي الحديث عن بعضهم مفصلا في المبحث القادم إن شاء اللّه تعالى . ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب ، يعد أشرف خصيصة من اللّه تعالى لهذه الأمة ، فجاء في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ( إن ربي قال لي : قم في قريش فأنذرهم ، فقلت له : رب إذن يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة ، فقال : مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظانا ، فابعث جندا أبعث مثلهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك ، وأنفق من ينفق عليك ) « 2 » . فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء ، بل يقرأ في كل حال كما جاء في الأثر عن صفة أمته صلى اللّه عليه وسلم : ( أنا جيلهم في صدورهم ) « 3 » ، وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا
--> ( 1 ) ينظر : النشر في القراءات العشر لابن الجزري : 1 / 6 ؛ ومناهل العرفان : 1 / 242 ؛ وعلوم القرآن والتفسير ، د . محسن عبد الحميد : 12 - 13 . ( 2 ) مسند الإمام أحمد ، حديث رقم ( 17519 ) : 4 / 162 ؛ وينظر : النشر في القراءات العشر : 1 / 6 . ( 3 ) المراد : كتابهم المقدس وهو القرآن لأن المسلمين ليس لهم أناجيل ، وإنما ذلك للنصارى ، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره عن قتادة في قوله تعالى : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( 154 ) [ سورة الأعراف ، الآية ( 154 ) ] . قال موسى : رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس . . . فاجعلها أمتي ، قال : تلك أمة أحمد . . . قال : رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها ، رب اجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة أحمد ، قال قتادة : فذكر لنا أن نبي اللّه موسى عليه السّلام نبذ الألواح وقال : اللهم اجعلني من أمة أحمد . ينظر : تفسير ابن كثير : 2 / 217 ؛ والمدخل لدراسة القرآن الكريم : محمد بن